صحةحياة

أسباب اضطرابات الأكل المختلفة

عندما يصاب الشخص بمرض ما فمن الطبيعي أن يفهم السبب. وعند الحديث عن أسباب اضطرابات الأكل يجدر الأخذ في الاعتبار ارتباطه بالعديد من الأساطير والقوالب النمطية السلبية. لذا فإن مسبباته مربكة نوعاً ما.

عادةً ما تبسط الثقافة من أسباب اضطرابات الأكل مثل ترويج وسائل الإعلام لنماذج نحيفة بشكل غير واقعي، أو على سوء توجيه الوالدين، حتى بعض المهنيين العاملين في مجال الصحة يتبعون هذه التفسيرات.

لكن الأبحاث تظهر أن العائلات – كانوا كبش فداء منذ فترة طويلة – فهم ليسوا المتسببين في اضطرابات في الأكل على الأقل ليس بطريقة بسيطة ومباشرة.

في حين أن النشأة في منزل مختل الوظائف قد يزيد من خطر حدوث عدد من المشكلات النفسية، بما في ذلك اضطرابات الأكل، إلا أنّه لا يتسبب بالضرورة في هذا التأثير على الطفل، سواء اضطرابات الأكل أو أي اضطراب نفسي آخر.

لا يمكن للعلماء أن يؤكدوا أسباب اضطراب الأكل أو يتنبأون بمن سيصاب بهذا المرض. ولكن يتفق معظم الخبراء أن حالات اضطرابات الأكل هي أمراض معقدة لا تنجم عن سبب واحد بل عن تفاعل معقد للعوامل البيولوجية والنفسية والبيئية. وهناك العديد من الطرق المختلفة لتطوير اضطراب الأكل من اضطراب الأكل بنهم إلى فقدان الشهية العصبي إلى الشره المرضي العصبي.

 

خطورة اضطرابات الأكل

 

هناك العديد من العوامل التي تم دراستها أو يجري دراستها كمساهمة محتملة في دراسة تطور اضطرابات الأكل. فمن المحتمل أن تلعب العوامل المرتبطة بالصحة العقلية والصور المرتبطة بالجسم دورًا مهمًا في التسبب في جميع أنواع اضطرابات الأكل.

  • الصحة النفسية

يمكن أن تشمل عوامل الخطر المتعلقة بالصحة العقلية القلق والاكتئاب وتدني تقييم الذات والصدمات النفسية مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال. كما تسهم الضغوط الاجتماعية مثل ضغط الأقران والتنمر.

  • شكل الجسم

قد ترتبط عوامل الخطر المرتبطة بسلوكيات الأكل وصورة الجسم بتطور اضطرابات الأكل. ويمكن أن تؤدي الإغاظة والتنمر المتعلقات بالوزن والتعليقات النقدية حوله أو حول النحافة إلى التغذية المبكرة في مرحلة الطفولة والأكل أو مشاكل في الجهاز الهضمي وعدم كفاية الجسم.

عوامل محددة لخطورة اضطرابات الأكل 

تركز الأبحاث التى تجرى حول عوامل الخطر على تحديد السمات أو الخبرات التي تسبق تطور اضطراب معين (وليس فقط الفئة العامة لاضطرابات الأكل). وليظهر عامل الخطر كعامل سببي، يجب إظهار عامل الخطر قبل حدوث اضطراب الأكل. كما يجب أن يكون قادر على التلاعب لمنع حدوث هذا الاضطراب. على سبيل المثال، التدخين عامل خطر مسبب لسرطان الرئة، فهو يأتي قبل تطور المرض، وعدم التدخين يُقلل من خطر الإصابة بسرطان الرئة.

نظرًا لأن اضطرابات الأكل نادرة ومتنوعة نسبياً، فمن الصعب إجراء أنواع من الدراسات الكبيرة والطويلة الأجل اللازمة لتقييم عوامل الخطر بشكل أفضل. حتى الآن، هناك أبحاث محدودة حول عوامل الخطر أثبتت نجاحها في إثبات أسباب اضطرابات الأكل ولكن وجدت دراسة بحثية أجريت عام 2015 حول عوامل الخطر السببية هذه لاضطرابات الأكل.

  • فقدان الشهية العصبي

الأشخاص الذين يعانون من مرض فقدان الشهية العصبي يقيدون من استهلاكهم من الغذاء، ويخشون بشدة من زيادة الوزن، ولديهم نظرة مشوهة عن وزنهم وصحتهم. إن وجود مؤشر كتلة الجسم المنخفض (BMI) – لقياس بقائك أقل من الوزن الطبيعي – تم تحديده كعامل خطر. ومع ذلك، يمكن أن يحدث فقدان الشهية العصبي عند الأشخاص الذين يعانون من مؤشر كتلة الجسم في المعدل الطبيعي.

  • الشره المرضي العصبي

الشره المرضي العصبي، الذي يتميز بالشراسة عند الأكل وكثرة عملية الإخراج بشكل متكرر، وهو أحد أسباب عوامل الخطر المحددة. ويشمل هذا الاعتقاد بأن النحافة تعادل الجاذبية (النحيف المثالي)، وجود صورة سلبية للجسم (عدم الرضا عن الجسم)، وفهم الضغط حول النحافة، مما يؤثر بشكل سلبي على  النظام الغذائي.

  • الشراهة عند تناول الطعام

الشراهة تُعد من أسباب اضطرابات الأكل وتشبه الشره المرضي العصبي ولكن دون جانب الاخراج. حيث تمت إضافة اضطراب الأكل هذا إلى الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5) في عام 2013. ولم تحدد دراسة عام 2015 أي عوامل خطر سببية لـ “اضطراب الشراهة”، ولكن تشير دراسة أجريت عام 2017 إلى أن الإلحاح السلبي “الميل إلى التصرف بشكل متسرع” عندما تشعر بالأسى “قد يكون من المسببات. وأشارت دراسة نشرت في عام 2016 إلى أنه في الفتيات، تتسبب أعراض الاكتئاب و تدني تقدير الذات، وعدم الرضا عن الجسم في المراهقة مرتبطة بالإفراط في تناول الطعام في مرحلة البلوغ.

  • اضطراب الإخراج

يشبه اضطراب الإخراج أيضًا الشره المرضي العصبي، ولكن في هذه الحالة، يقتصر هذا السلوك على الإخراج دون الشراهة في الأكل. ويعد عامل الخطر السببي الوحيد الذي حدده بحث عام 2015 هو اتباع نظام غذائي معين. وأشارت أبحاث أخرى إلى أن عوامل الخطر لاضطراب الإخراج متشابهة مع عوامل الشره المرضي العصبي والشراهة عند تناول الطعام.

تحديد العوامل السببية الفعلية لاضطرابات الأكل المحددة أمر معقد. قد يكون من الصعب تحديد ما إذا كانت هذه العوامل موجودة في الفرد أم لا. وأيضاً، فإن وجود هذه العوامل يتنبأ بمخاطر أعلى ولكنه لا يضمن تطور اضطراب الأكل.

عوامل وراثية

إن النشأة في عائلة لها تاريخ من اضطرابات الأكل يمكن أن يزيد من خطر إصابة الشخص باضطراب في الأكل. جزء من هذا الخطر المتزايد يمكن أن يكون بسبب نمذجة السلوكيات المرتبطة باضطرابات الأكل داخل الأسرة (على سبيل المثال، مراقبة اتباع نظام غذائي لأفراد الأسرة). ومع ذلك، فقد أكدت الأبحاث التي أجريت على دراسة لتؤام، والتي يمكنها عزل دور الوراثة فيها، أن ما يقرب من 40 ٪ إلى 60 ٪ من خطر الإصابة بفقدان الشهية العصبي، والشره المرضي العصبي، واضطراب الأكل بنهم ينشأ من التأثير الجيني.

إن أكبر وأقوى دراسة جينية لاضطرابات الأكل التي أجريت على الإطلاق، مبادرة  فقدان الشهية العصبي الوراثي(ANGI)، وتجري حاليًا في الولايات المتحدة والسويد وأستراليا والمملكة المتحدة والدنمارك. فيمكن أن يوفر هذا البحث مزيدًا من المعلومات حول الملف الوراثي الذي يساهم في اضطرابات الأكل.

لا تعني هذه النتائج وجود جين واحد لاضطرابات الأكل أو أن الجينات تسبب اضطرابات الأكل. قد يرث بعض الأفراد سمات مثل القلق أو الخوف أو الكمالية أو الحالة المزاجية المرتبطة بتطور اضطراب الأكل. كما يمكن ربط هذه الجوانب بعدد من الاضطرابات الأخرى.

في بعض الأشخاص، تساهم الاختلافات في عدة جينات مختلفة في الصفات التي تزيد بدورها من خطر الإصابة باضطرابات الأكل أو تقللها.

  • التفشي في الأسر من أسباب اضطرابات الأكل

بعض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل قادرون على تحديد العديد من أفراد الأسرة الذين يعانون من اضطرابات الأكل. هناك بعض الأسر التي يكون فيها خطر اضطرابات الأكل أعلى بكثير من عامة السكان، ولكن تواجد هذه الأسر نادر نسبيًا. حتى التاريخ العائلي شديد الخطورة الذي يشير إلى زيادة الخطر الوراثي لا يعني أن الشخص مصاب بمرض اضطراب الأكل.

على العكس، لا يمكن لأي شخص يعاني من اضطرابات الأكل التعرف على فرد آخر من أفراد أسرة أخرى يعانى من نفس الحالة. الغالبية الواضحة من حالات اضطرابات الأكل منفردة اي دون تاريخ عائلي. ونظرًا لصغر حجم العائلات اليوم، فلا تتوفر في الغالب بيانات كافية لتحديد ما إذا كان لدى فرد معين ميل جيني أم لا. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر اضطرابات الأكل مرض قابل للتنمّر من الآخرين، وغالبًا ما لا يشارك أفراد الأسرة كفاحهم مع اضطرابهم.

العوامل البيئية

اختبرت الكثير من الأبحاث السابقة حول اضطرابات الأكل عوامل الخطر البيئية. نتيجة لذلك، يتم اعتبارها أحيانًا من أسباب اضطرابات الأكل. وتشمل العوامل البيئية الأحداث والتأثيرات في حياة الفرد، مثل ثقافة النظام الغذائي والإعلام، والصدمات النفسية، وتخفيف الوزن. كما أن التأثيرات مثل الجنس أو العرق أو بعض العادات الرياضية يمكن أن تعزز أو تقلل من العوامل البيئية الأخرى.

ونعرض نموذج واحد لفهم بعض عوامل الخطر الاجتماعية والثقافية لاضطرابات الأكل هو النموذج الثلاثي. حيث يشير إلى أن  التعرض لوسائل الإعلام والأقران ورسائل الوالدين تُسهم في ما إذا كان الشخص يرى النحافة مثالية ويشارك في المقارنة الاجتماعية. قد يؤدي هذان العاملان (المثالية والمقارنة الاجتماعية) إلى ضعف شكل الجسم وأشكال مختلفة من الأكل المختل.

يؤثر المجتمع والثقافة في سلوك الأكل وكذلك مفهومنا المثالي لشكل الجسم. ومع ذلك، فإن هذه العوامل البيئية لا يمكن أن تُفسّر بشكل كامل وجود اضطرابات الأكل. فإذا فعلت، سيكون 100٪ من الأشخاص المعرضين للعوامل البيئية مصابون باضطراب في الأكل، وهو ليس صحيحاً.

  • العوامل البيئية الواقية

بعض العوامل البيئية يمكن أن تساعد في حماية الناس ولا تُعد من أسباب اضطرابات الأكل. يمكن أن تشمل هذه الوجبات العائلية كتناول وجبة الإفطار ومهارات التنظيم العاطفي وتقنيات اليقظة والتركيز.

كما تفيد التقنيات التي تساعد المجموعات والأفراد على التشكك وتحدي النماذج غير الواقعية للجمال (بما في ذلك تمجيد النحافة ووصم الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن) في الوقاية. فالعديد من هذه التغييرات البيئية مثل تحسين وضع المرأة وقوتها، والحد من مقارنات كل من الرجل والمرأة، وزيادة الاحترام للأشخاص من جميع الأحجام والأشكال، ستفيد الجميع وليس فقط أولئك المعرضين لخطر اضطرابات الأكل. تساعد هذه التغييرات في إنشاء مجتمعات أكثر لطفًا وأمانًا.

التفاعل بين الجينات والبيئة

لا تتسبب الجينات (من الطبيعة) ولا البيئة (التنشئة) في اضطرابات الأكل ولا تُعد من أسباب اضطرابات الأكل بمفردها. فمن المحتمل أن تكون اضطرابات الأكل نتيجة تفاعل معقد بين هذه العوامل. حتى عندما يمكن تحديد عامل فجائي عاجل (مثل حدث صادم)، فهناك دائمًا مزيج من العوامل المساهمة الأخرى. ومن المرجح أن يكون العامل “العاجل” هو العامل الذي أدى إلى تعاقب سلسلة من الأحداث.

الحساسية الوراثية قد تؤثر على استجابتنا لبعض الضغوطات. فمثلاً:

  • قد يكون الشخص الذي يكون حساسًا بالوراثة لاضطرابات الأكل أكثر حساسية للإثارة المرتبطة بالوزن ويكون له رد فعل شديد تجاهه (على سبيل المثال، بدء نظام غذائي يتسبب في سقوطه في  الاضطراب).
  • قد يستمر الشخص الذي يكون ضعيفًا بالوراثة في اتباع نظام غذائي لفترة أطول من نظرائه الذين يتبعون نظام غذائي لفترة  ثم يتوقفون.
  • قد يكون الشخص الذي يعاني من المزاجية أكثر عرضة مرض فقدان الشهية العصبي (القلق والكمال) ليبحث عن أنواع البيئات الاجتماعية التي تسهم في بداية اتباع نظام غذائي.

علم التخلّق

يقدم مجال علم التخلّق الناشئ دراسة حول ما إذا كان يتم التعبير عن الجينات وكيف ومتى يتم التعبير عنها، حيث يفسر علم التخلق بعض العوامل البيئية التى تحدد التعبير عن الجينات أو حتى تقوم بتشغيل أو إيقاف تشغيل بعض الجينات في الجيل التالي. وبالتالي، فإن الضغط على أحد الوالدين لا يغير سلوكهم فحسب، بل يمكن أن يؤدي فعليًا إلى إيقاف تشغيل الجينات وإيقافها في ذرية لم تتعرض حتى لهذا التوتر.

فيما يتعلق باضطرابات الأكل، هناك دليل على أنه كلما طالت فترة الإصابة بفقدان الشهية العصبي، زادت فرصة حدوث تغيرات في كيفية التعبير عن جيناتهم. ويبدو أن سوء التغذية يمكن أن يؤدي إلى أو إيقاف تشغيل جينات معينة، مما يؤثر على مسار الاضطراب. ومع ذلك، فإن الدراسات اللاجينية لاضطرابات الأكل مازالت في مهدها.

كلمة منّا

كما أن العوامل البيئية يمكن أن تزيد من تعرض الشخص لاضطرابات الأكل، فإن العكس صحيح أيضًا: إن تغيير البيئة يمكن أن يسهل الوقاية والشفاء. على سبيل المثال، تُسهم التنشئة مع والدين جيدين في التخفيف من الجينات التي تهيئ الشخص للقلق.

ومع ذلك، يلعب الحظ دورًا أيضًا، فيختلف الأفراد في المخاطر الوراثية. حتى في مواجهة كل تدبير وقائي وقد يستمر بعض الأشخاص الذين لديهم مخاطر وراثية عالية للغاية في تطوير اضطراب في الأكل بعد حدث واحد أو اثنين فقط من الأحداث التي تخرج عن نطاق سيطرتهم. بينما قد يُظهر آخرون ممن لديهم مخاطر وراثية منخفضة مرونة في تطوير اضطرابات الأكل أو حتى في مواجهة العديد من عوامل الخطر البيئية المحتملة.

عندما يصاب شخص ما باضطراب في الأكل، فهذا ليس خطأ من أحد، لأن أسباب اضطرابات الأكل شديدة التعقيد بحيث لا يمكن توجيه اللوم لأي شخص أو حدث أو جين واحد.

المصادر:

زر الذهاب إلى الأعلى